شركات الإحتيال: منظومة بونزي

النفس البشرية بطبيعتها، إلا من وفقه الله تعالى، كسوله وطماعة. هذه الطبيعة تجعلنا حين نفكر في شراء منتج، نبحث عن أفضل جودة بأقل سعر، وعندما لا يرتقي منتج رخيص إلى توقعاتنا أو يتعطل بعد فترة بسيطة من شراءه، نتذمر ونتهم البائع بأنه خدعنا وغشنا. في هذه الحالة الذنب ليس ذنب البائع، هذا مع افتراضنا بأنه لم يدلس أو يكذب ليقنعك بالشراء، بل هو ذنبك انك لم تعرف بماذا ضحيت عندما دفعت قيمة أقل. ولو طبقنا هذه القاعدة على الاستثمارات، يمكننا القول، بأننا حين تعرض علينا الشراكة في مشروع نجاحه مضمون، لا يجب أن نتوقع الحصول على نسبة أرباح عالية جداً. وكذلك حين يعرض عليك مشروع بعوائد مرتفعة جداً، فأعلم بأن هناك مخاطرة أو مخادعة كبيرة ستحصل عليها عند اشتراكك، وذلك حتى وإن لم يكن هذا واضحاً امامك عندما عرض عليك صاحب المشروع فكرته.

 سنواصل الحديث في هذا المقال عن شركات الإحتيال، وفيه سنتحدث عن أحد أشهر أنظمة الإحتيال وأكثرها استخدماً، وفي نفس الوقت الأصعب للكشف، وهو نظام بونزي.

آلية أو منظومة بونزي

شارلز بونزي، إيطالي انقل وعاش في أمريكا خلال الفترة من نهاية القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين. طور نظام احتيال على هيئة استثمار، وعلى أثره تمت محاكمته وسجنه عدة مرات، وأخيراً تم ترحيله من أمريكا. نظام بونزي الأصلي يقوم على جمع أموال الراغبين في الإستثمار، ووعدهم بنسبة أرباح عالية، خلال فترة قصيرة. الإحتيال في هذا النظام يكمن في أن الأرباح التي تُدفع، هي في الواقع أموال المستثمرين أنفسهم، أو المشتركين الذي أشتركوا بعدهم. عادة ما يكون البسطاء ومن لا خبرة مالية أو استثمارية هدف سهل وضحية لهذا النظام. ويساعد المحتالين في ذلك، استخدام الألفاظ والمصطلحات المالية المعقدة. كأن يوهم المحتال الضحية بأن الاستثمار سيكون في سندات حكومية، أو العملات والتعاملات المستقبلية وغيرها.

اكتشاف هذا النظام صعب حتى على ذوي الخبرة من المستثمرين، فهذا النظام من السهل اخفاؤه، ومن الصعب الكشف عنه. وعلى الرغم من تحريمه قانونياً في معظم دول العالم، إلا أن هناك منظمات كبيرة، تستخدم هذا الأسلوب. من أشهر وأحدث القضايا قضية فضيحة برنارد مادوف الرئيس السابق لبورصة ناسداك في سنة 2008، والذي نجح في الحصول على 50 مليار دولار من استخدام هذه الطريقة وحكم عليه بالسجن لمدة 150 سنة.

كيفية عمل هذا النظام:

يدّعي شخص بأن له علاقات وشبكة معارف، وأن لديه مشروع لتوريد بضاعة ذات جودة عالية وسعر منافس غير موجودة في البلد، لكن تنقصه السيولة. فيعرض على الناس مشاركته، ويضع قيمة للسهم مقداره 10,000 ريال. ويقول بأن لا شيء مضمون، ولكنه من المتوقع أن يكون العائد على كل شحنه من البضاعة في حدود 25%. ويزعم بأن تصريف البضاعة يستغرق شهر، من وقت شراء المستثمر للسهم. أي أن من يستثمر بسهم واحد لمدة شهر يستعيد 12,500 ريال بنهاية الشهر.

لتبسيط الفكرة، لنفرض أن هذا المحتال خلال الشهر الأول نجح في ضم 4 ضحايا لمشروعه، “أحمد” و “بدر” و “جابر” و “هادي” كل ضحية اشترى سهم واحد. وبالطبع تسجيل هؤلاء الضحايا في المشروع كان في أيام متفرقة من الشهر. الشكل التالي سيوضح كيفية تدفق المال في المشروع:

شرح لآلية بونزي

بنهاية الشهر، وحلول موعد الدفع لأحمد، سيكون المحتال قد جمع مبلغ 40,000 ريال. ستكون عملية الدفع في هذا الشهر مهمة جداً للمحتال، سيدفع المبلغ كاملاً مع الأرباح فوراً. وفي نفس الوقت سيعرض على أحمد المشاركة في مشروع جديد، وبنفس الربحية. أو قد يغريه بزيادة في الأرباح مقابل زيادة عدد الاسهم. قد لا يوافق أحمد فوراً، ولكن الطبيعة البشرية والتي تحب الكسل والطمع، ستجعل أحمد يعود لاحقاً ليضع المزيد من المال في المشروع. وحتى إن استغرق التفكير أحمد أسبوعاً أو أكثر، فإن لدى المحتال مالاً يكفيه لرد ارباح ورؤس أموال “بدر” و “جابر”. أحمد أيضاً لن يصمت، فسيبدأ بالتحدث عن الربح الذي حققه من خلال هذا المشروع، وقد يدعو أصدقائه للمشاركة.  في حالة مشاركة أحمد أو أحد أصدقائه بعدد من الأسهم، فإن المحتال سيضمن الصمود للشهر الثاني. ومافعله مع أحمد سيفعله مع البقية.

بمرور الشهر الثاني، ومع ملاحظة بأن المحتال بدء بلا شيء، فإنه سيكون قد حقق 180,000 ريال، بدخول 3 مشتركين جدد، وبقاء ثلاثة مشتركين من الشهر الأول. وهكذا تتضخم أمواله، والمشتركين يعتقدون بوجود مشروع حقيقي، والطمع يدعوهم لشراء المزيد من الأسهم. حتى ينكشف المشروع ويخسر جميع المشتركين أموالهم.

انكشاف المشروع

قد يبرع أصحاب هذه المنظومة في اخفاء حقيقتها، ولكن في النهاية، ستنكشف الخدعة، وعادة ما يكون ذلك في احدى هذه الحالات الثلاث:

  • يختفي صاحب المشروع، مع كافة الأموال المستثمرة في مشروعه.
  • بمرور الوقت، ومع ازدياد حجم المشروع والأموال المستثمرة فيه، يجد صاحب المشروع صعوبة في جذب مستثمرين جدد لمشروعه. وبالتالي يصعب عليه دفع أرباح كبار المستثمرين. وأي علامة على عدم وجود السيولة في المشروع، كتأخر دفعة، ستبدأ سلسلة من ردود فعل المستثمرين، الذين سيبدؤون بطلب سحب أموالهم من المشروع، مما سيسرع من تجفيف المنظمة، وانفضاحها.
  • ردود الفعل هذه قد تنشأ بسبب آخر خارج المنظمة. فقد تكون المنظمة تسير على خطى حثيثة، وإدارتها نجحت في إخفاء حقيقة المشروع، ولكن يحدث إنهيار في السوق، أو يحدث أمر يستدعي الناس لسحب أموالهم. فيبدأ الناس بالسحب، وتبدأ سيولة المنظمة بالإنخفاض.

___________________________

المراجع:

شارلز بونزي | نظام بونزي | فضيحة مادوف | قائمة بأشهر الإحتيالات بنظام بونزي